التخطي إلى المحتوى

ليس غريباً أن ترتفع الى السماء أصوات المفاخرة بالأدوار في الوصول الى ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل وضمان ثروة لبنان الذي صار بلداً نفطياً. ولا التركيز على ما قام به طرفان لعبا ورقة التكامل بين الديبلوماسية والقوة: «حزب الله» والعهد وصهره. ولا بالطبع المطالبة الصريحة بثمن سياسي لذلك في الرئاسة والحكومة وحتى في الشغور الرئاسي بعد انتهاء الولاية الرئاسية للجنرال ميشال عون. الغريب هو الإنتشاء بالقراءة الأولى في الإتفاق، لجهة المليارات المفترضة، وإجبار العدو على التسليم بمعادلة «لا كاريش بلا قانا»، وتفضيل تعبير «التفاهم»، و»كسر الحصار الأميركي»ولكن على يد الوسيط الأميركي حامل الجنسية الإسرائيلية آموس هوكشتاين الذي اسمه في إسرائيل عاموس هوخشتاين. والأغرب هو تجنّب القراءة الثانية في الإتفاق، لا لجهة ما رآه خبراء من نواقص في الإتفاق عبر التدقيق في «الميكرو»، بل لجهة النظرة الشاملة والبعيدة في «الماكرو»الى التغيير في الموقع الجيوسياسي للبنان.

ذلك أن توصيف الإتفاق بأنه «إنجاز تاريخي» يفرض أن يكون معناه فرصة لصنع التاريخ، لا مجرد ترتيب لاستثمار الثروة الغازية، فالفارق بين ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل وبين إتفاق الهدنة عام 1949 وترسيم الخط الأزرق البري عام 2000 هو الفارق بين الفصل والمنفعة المشتركة. وإذا كان السلاح يحمي الحدود البرية ويردع العدو، فإنه في حماية البنى الإستراتيجية الغازية المتقابلة مسألة خطيرة. لماذا؟ لأن إستخدام القوة هنا لا يحمي الثروة بل يقود الى تدمير المنصات في لبنان وإسرائيل وبالتالي إلى دمار واسع في حرب لا أحد يريدها. وحين يطالب «حزب الله» بلسان النائب محمد رعد برئيس «يقرّ ويحترم ويعترف بدور المقاومة في حماية السيادة الوطنية»، فإن الوجه الآخر لذلك هو مقاومة تقرّ وتحترم القرار السيادي اللبناني، وتعترف بأن دور السلاح في «استراحة المحارب» لأن استخدامه خطير جداً.

الواقع أن موقع لبنان الجيوسياسي مرشح للتبدل في ظل الثروة الغازية. فهو محكوم بالإنتقال من جبهة أمامية لمحور «المقاومة» الذي تقوده إيران الى شريك وعضو في «نادي غاز شرق المتوسط» الذي يضم نحو عشر دول. وهو، مضطر لتوجيه الإهتمام الى التنقيب والإستخراج وترتيب القدرة على تسييل الغاز وتأمين الطرق لإرساله الى من يشتري. وهذه تتطلب، لا فقط عمل «توتال» وبقية الشركات، بل المشاركة مع دول المتوسط في أقنية التوصيل، والقدرة على احترام العقود مع المستهلك الأوروبي. ومن الوهم القيام بهذا الدور مع بقاء البلد جبهة أمامية في حرب يمكن أن تقع في أية لحظة بقرار إقليمي أو دولي. وليس من أجل الغاز وحده أعطى البيت الأبيض الأولوية لإنجاز الإتفاق.

يقول مثل صيني: «إبحث عن الحقيقة في الوقائع». وحان الوقت للقراءة في الوقائع بدل الرغبات في الإتفاق والحكومة والرئاسة.

نقلاً عن “نداء الوطن”

تنويه:
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *